المقريزي
319
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
بالمسير إلى يوسف : واللّه ما آمن من إن بعثتني إليه أن لا نجتمع أنا وأنت حبيبين أبدا . قال : لا بدّ من المسير إليه . فسار إليه . وقيل كان السبب في ذلك أن زيدا كان يخاصم ابن عمه جعفر بن الحسن بن الحسين بن عليّ في وقوف عليّ رضي اللّه عنه ، فزيد يخاصم عن بني حسين ، وجعفر يخاصم عن بني حسن ، فكانا يبلغان كل غاية ، ويقومان فلا يعيدان مما كان بينهما ، حرفا ، فلما مات جعفر نازعه عبد اللّه بن الحسن بن الحسن ، فتنازعا يوما بين يدي خالد بن عبد الملك بن الحارث بالمدينة ، فأغلظ عبد اللّه لزيد وقال : يا ابن السندية . فضحك زيد وقال : قد كان إسماعيل عليه السلام ابن أمة ، ومع ذلك فقد صبرت أمي بعد وفاة سيدها . ولم يصبر غيرها ، يعني فاطمة بنت الحسين أمّ عبد اللّه ، فإنها تزوّجت بعد أبيه الحسن بن الحسن . ثم إنّ زيدا ندم واستحيى من فاطمة ، فإنها عمته ، ولم يدخل إليها زمانا . فأرسلت إليه : يا ابن أخي إني لأعلم أن أمّك عندك كأمّ عبد اللّه عنده ، وقالت لعبد اللّه : بئسما قلت لأمّ زيد ، أما واللّه لنعم دخيلة القوم كانت ، وذكر أن خالدا قال لهما : اغدوا علينا غدا فلست ابن عبد الملك إن لم أفصل بينكما ، فباتت المدينة تغلي كالمرجل . يقول قائل : قال زيد كذا ، ويقول قائل : قال عبد اللّه كذا ، فلما كان من الغد جلس خالد في المسجد واجتمع الناس ، فمن بين شامت ومهموم ، فدعا بهما خالد وهو يحبّ أن يتشاتما ، فذهب عبد اللّه يتكلم ، فقال زيد : لا تعجّل يا أبا محمد ، أعتق زيد كلّ ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبدا . ثم أقبل إلى خالد فقال له : لقد جمعت ذرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر . فقال خالد : أما لهذا السفيه أحد ؟ فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم فقال : يا ابن أبي تراب وابن حسين السفيه ، أما ترى ، لوال عليك حقا ولا طاعة ؟ فقال زيد : اسكت أيها القحطانيّ ، فإنّا لا نجيب مثلك . قال : ولم ترغب عني ؟ فو اللّه إني لخير منك وخير من أبيك ، وأمي خير من أمّك ، فتضاحك زيد وقال : يا معشر قريش ، هذا الدين قد ذهب أفتذهب الأحساب ؟ فوا اللّه ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم . فقام عبد اللّه بن واقد بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب فقال : كذبت واللّه أيها القحطانيّ ، فو اللّه لهو خير منك نفسا وأبا وأمّا ومحتدا ، وتناوله بكلام كثير وأخذ كفا من حصباء وضرب بها الأرض وقال : واللّه إنه ما لنا على هذا من صبر وقام . ثم شخص زيد إلى هشام بن عبد الملك ، فجعل هشام لا يأذن له ، وهو يرفع إليه القصص ، فكلما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها ارجع إلى منزلك . فيقول زيد : واللّه لا أرجع إلى خالد أبدا ، ثم إنه أذن له يوما بعد طول حبس ، فصعد زيد وكان بائنا فوقف في بعض الدرج وهو يقول : واللّه لا يحب الدنيا أحد إلّا ذلّ ، ثم صعد وقد جمع له هشام أهل الشام ، فسلّم ثم جلس ، فرمى عليه هشام طويلة ، فحلف لهشام على شيء . فقال هشام : لا أصدّقك . فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ اللّه لم يرفع أحدا عن أن يرضى بالله ، ولم يضع أحدا